web analytics
كتابات شخصية

الفطرة… السابقة

الفطرة

منذ فترة وأنا جالس أقرأ كتاب في مكان قرب بيتي جاء طفل وجلس بجانبي كان في التاسعة من عمره علمت فيما بعد أنه كان يعاني من التوحد في صغره لكنه تحسن كثيراً حتي صار أقرب إلي الطبيعي، لكنك قد تلحظ عليه بعض التغير البسيط في بعض تصرفاته لكنه ليس تغييرا كبيرا أو اختلافا ملحوظا عن غيره من الأطفال فقط بساطة و طيبة زائدة. 

تعرفت عليه وأخذ يأتي إلى من حين إلى آخر كلما وجدني جالس بنفس المكان.
و قدم علي ذات مرة ليحكي لي قصة هو كتبها من وحي خياله و قرر نشرها علي صفحة والده علي موقع التواصل الإجتماعي( فيس بوك ) و إختار لها عنوان أيضا وهو ” الفيل و الأرنب” ،وقد كانت القصة تحكي عن فيل ضخم خافت منه الأرانب ذات يوم لمروره بجوارهم لكن بعدما  دافع عنهم الفيل ضد الثعلب فرحوا بذلك و أصبحوا أصدقاء.

فطرة بشيء من الجمال والعظمة

و أثناء حوارنا المثمر عن حبه للكتابة و رغبته في كتابة الروايات والقصص سألته ما هي فائدة النجوم يا محمد ؟
قال لي بمنتهى التلقائية ” النجوم هي الناس اللي ماتت بتبص علينا من فوق ، انا شايفها كدة ”
تعجبت كثيرا من وصفه ومن شدة قناعته وتلقائيته وسرعتة في الرد على السؤال و أصاب نفسي بشئ من الجمال
و العظمة والإحترام كم كان رقيقا في وصفه ، و كم إمتلك من خيال ليصل لهذا التصور ؟
فهذا التصوير قريب جدا من تصوير الكاتب الفلسطيني  ” زياد خداش ”  في مقالته لماذا تموت الأمهات ؟
حينما قال “لماذا لا تبقي الأمهات بعد نهاية آجالهن نجوماً في السماء ننظر لهن وقتما نشتاق ” أو شئ شبيه بذلك.
الجميل هنا هو تشابه النظرتين للنجوم و تصور كل منهم لها الكاتب المحترف ، و ذلك الطفل الذي عانى في صغره من التوحد.

أ لهذا القدر الفطرة السوية” سابقة ” !
أ لهذا القدر البراءة ببساطتها تصل لحدود “المعرفة” !
فقد وصلت به لحد خيال وتصور ومعرفة ذلك الكاتب الكبير فطرته سبقت سنين عمر لم يعيشها وسبقت عقل
لم يقرأ كتب ولم يعش تجارب عاشها غيره فطرة سبقت كل ذلك وكأنه أختصر الزمان.
أدهشني “محمد” و ذكرني بالله ،و بعظيم خلقه و قدرته سبحان الله العظيم في خلق المعرفة بدون أسبابها داخل
نفوس البشر ، معرفة وليدة الفطرة و الهداية لا وليدة التجربة و لا الملاحظة ولا كتب ولا علم تعلمه،إن الله إذا
أراد أن يطلع عبدا من عباده على سر من أسراره أنار له عقله وهيء له أسباب ذلك .

العلم المحدود والفطرة العابرة

وتأملت كتاب الله الكريم عندما وصف إختلاف أهل الكتاب و ضلالهم رغم معرفتهم و علمهم و وصول البيان لهم
فقد قال في محكم كتابه :
“إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ
بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ “_ ال عمران
إذا فالعبرة هنا بالهداية ليست بالعلم ولا بالخبرة فحسب ،ولكنه في بعض الأحيان يلزم لهذا العلم قلب نقي
يفهم و يتدبر يرجو الهداية و الحق ليصل الى كامل المعرفة معرفة خالية من أي شكوك.
و كم هي قدرة الله العظيمة علي خلق هذا القلب البشري الذي يستطيع الوصول بفطرته لما وصل اليه العلم
المجرد بل و في بعض الأحيان مثل ” محمد” يكون سابق بفطرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

إغلاق